الشيخ محمد علي طه الدرة

599

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

والعدالة ، والثّناء عليهم ، ما عدا الّذين برز نفاقهم ، فهم مغضوب عليهم ، محرومون من رحمة اللّه ، ورضوانه ، ويكونون في أعمق واد من أودية جهنّم . تنبيه : في الآية الكريمة التفاتات كثيرة : منها : التفات من التكلّم بقوله : فَضَّلْنا إلى الغيبة بقوله : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ، ثم منه إلى التكلّم بقوله : وَآتَيْنا ، وَأَيَّدْناهُ ثمّ منه إلى الغيبة بقوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ . . . إلخ ، وللالتفات فوائد كثيرة : منها تطرية الكلام ، وصيانة السّمع عن الضّجر ، والملال ؛ لما جبلت عليه النّفوس من حبّ التنقّلات ، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد هذه فوائده العامّة ، ويختصّ كلّ موضع بنكت ، ولطائف باختلاف محلّه ، كما هو مقرر في علم البديع ، ووجهه حيث السّامع ، وبعثه على الاستماع ؛ حيث أقبل المتكلّم عليه ، وأعطاه فضل عنايته ، وخصّصه بالمواجهة . الإعراب : تِلْكَ : اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ ، واللام للبعد ، والكاف حرف خطاب لا محل له . الرُّسُلُ : بدل من اسم الإشارة ، أو عطف بيان عليه . فَضَّلْنا : فعل وفاعل ، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر المبتدأ . بَعْضَهُمْ : مفعول به ، والهاء في محل جرّ بالإضافة ، عَلى بَعْضٍ : متعلقان بالفعل قبلهما ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ . هذا ؛ وجوّز السفاقسي ، وأبو البقاء اعتبار الرُّسُلُ خبر المبتدأ ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الرُّسُلُ ، والعامل في الحال اسم الإشارة ، وهذا غير متعارف عليه في مثل هذا التّركيب . مِنْهُمْ : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم . مَنْ : اسم موصول ، أو نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محلّ رفع مبتدأ مؤخر . كَلَّمَ اللَّهُ : فعل ماض ، وفاعله ، والجملة الفعلية صلة مَنْ أو صفتها ، والعائد أو الرابط محذوف ، التقدير : منهم الذي ، أو : شخص كلّمه اللّه ، وهذا الإعراب هو المتعارف عليه والمشهور في مثل هذه الجملة ، ولا أعتمده ، والأصحّ : أنّ مضمون الجار والمجرور مبتدأ ، و مَنْ : هي الخبر ؛ لأنّ ( مَنْ ) الجارة دالة على التبعيض ؛ أي : وبعضهم من كلمه اللّه ، وجمع الضمير يؤيّده ، ويؤيده قوله تعالى في سورة ( آل عمران ) رقم [ 110 ] : مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ، ف ( أكثرهم ) معطوف على مضمون مِنْهُمْ ، وقوله تعالى في سورة ( المائدة ) [ 66 ] : مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ؛ ف ( كثير ) معطوف على مضمون مِنْهُمْ وخذ قول الحماسي : [ الكامل ] منهم ليوث لا ترام وبعضهم * ممّا قمشت ، وضمّ حبل الحاطب هذا ؛ وليوث : جمع : ليث ، وهو السّبع ، لا ترام : لا تقصد ، قمشت : جمعت من هنا وهناك ، والمراد : رذالة الناس ، والقمش : الرديء من كلّ شيء ، والجملة الاسمية : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ : هذه تحتمل أن تكون مستأنفة لا محلّ لها ، وأن تكون بدلا من جملة فَضَّلْنا . . .